ابن ميثم البحراني

335

شرح نهج البلاغة

حتّى قتل مظلوما تائبا وإنّما نقموا عليه ضربه بالسوط وتأميره الشبّان وحمايته موضع الغمامة فقتلوه محرما في حرمة الشهر ، وحرمة البلد ذبحا كما يذبح الجمل ، ألا وإنّ قريشا رمت غرضها بنبالها وأدمت أفواهها بأيديها وما نالت بقتلها إيّاه شيئا ولا سلكت به سبيلا قاصدا أما واللَّه ليرونها بلايا عقيمة تنبه النائم وتقيم الجالس ، وليسلطنّ عليهم قوم لا يرحمونهم ، يسومونهم سوء العذاب . أيّها الناس إنّه ما بلغ من ذنب عثمان ما يستحلّ به دمه مصّتموه كما يماصّ الثوب الرحيض ، ثمّ عدوتم عليه فقتلتموه بعد توبته وخروجه من ذنبه وبايعتم ابن أبي طالب بغير مشورة من الجماعة ابتزازا وغصبا ، أتراني أغضب لكم من سوط عثمان ولسانه ولا أغضب لعثمان من سيوفكم . ألا إنّ عثمان قتل مظلوما فاطلبوا قتلته فإذا ظفرتم بهم فاقتلوهم ، ثمّ اجعلوا الأمر شورى بين الرهط الَّذين اختارهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ولا يدخل فيهم من شرك في دم عثمان . قال : فماج الناس واختلطوا فمن قايل يقول : القول ما قالت ، ومن قائل يقول : وما هي من هذا الأمر إنّما هي امرأة مأمورة بلزوم بيتها . وارتفعت الأصوات وكثر اللغط حتّى تضاربوا بالنعال وترامو بالحصا . ثمّ تمايزوا فرقتين فرقة مع عثمان بن حنيف وفرقة مع طلحة والزبير . ثمّ أقبلا من المربد يريدان عثمان بن حنيف فوجدوه وأصحابه قد أخذوا بأفواه السكك فمضوا حتّى انتهوا إلى مواضع الدبّاغين فاستقبلهم أصحاب ابن حنيف فشجرهم طلحة والزبير وأصحابهما بالرماح فحمل عليهم حكيم بن جبلَّة فلم يزل هو وأصحابه يقاتلونهم حتّى أخرجوهم من جميع السكك ، ورماهم النساء من فوق البيوت بالأحجار فأخذوا إلى مقبرة بنى مازن فوقفوا بها مليّا حتّى ثابت إليهم خيلهم ، ثمّ أخذوا على مسنّاة البصرة حتّى انتهوا إلى الرابوقة . ثمّ أتوا سبخة دار الرزق فنزلوها فأتاهما عبد اللَّه بن حكيم التميميّ لمّا نزلا السبخة بكتب كتباها إليه فقال لطلحة : يا أبا محمّد أما هذه كتبك إلينا . فقال : بلى . فقال : فكنت أمس تدعونا إلى خلع عثمان وقتله حتّى إذا قتلته أتيتنا ثائرا بدمه ، فلعمري ما هذا رأيك ولا تريد إلَّا هذه الدنيا . مهلا إذا كان هذا رأيك قبلت من عليّ ما عرض عليك من البيعة فبايعته